الصياد التهامي.. بين المد والجزر (تقرير)

الاتحادية نيوز | سامية العنتري*

تعتبر الأسماك مصدراً رئيسياً لغذاء أكثر من مليون ونصف شخص من سكان العالم, كما أن 95% ممن يعتمدون على الأسماك في حياتهم يعيشون في البلدان النامية، فقد تزايد الطلب على الأسماك طرديا مع ارتفاع إنتاج العالم من الأسماك للاستهلاك البشري من 27 مليون طن إلى 121 مليون طن متري، وبالنسبة لليمن فهي تمتلك شريطا ساحليا يقدر بحوالي 2500 كيلو متر، بالإضافة إلى وجود أكثر من 160 جزيرة، كما أن اليمن تتمتع بتوفر أكثر 350 نوعاً من الأسماك والأحياء البحرية، والمستغل منها حتى الآن 60 صنفاً تقريباً، بحسب دراسة نشرت مؤخرا، بينما بلغ عدد الصيادين اليمنيين 106581 صياد، وعدد القوارب 29632 قارباً.

وتتمتع الجزر اليمنية بتنوع بيئي وحيوي وتوفر مخزون سمكي على مدار العام، وبالتالي فإن القطاع السمكي يعتبر من أهم القطاعات الرئيسية والمهمة للاقتصاد اليمني, وتتراوح نسبة مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي بحوالي 1%.
 
وفي مدينة الحديدة الساحلية فإن نشاط الاصطياد السمكي يعتبر نشاطا رئيسيا إذ يعتمد عليه كمصدر دخل أكثر من مليون نسمة، بحكم أن المحافظة تطل على شريط ساحلي طويل وغني بالأسماك والأحياء البحرية كماً ونوعاً، ومروراً بالأوضاع المتدهورة في الوقت الحالي، فإن أكثر من 50% تركوا مهنة الاصطياد خوفاً من المواجهات العسكرية الراهنة، بحسب تقرير صادر عن المركز الإنمائي التابع للأمم المتحدة.
 
الصياد التهامي وسط المخاطر
 
يعيش الصياد التهامي في خوف دائم جراء ما يواجهه من مخاطر، ويذهب إلى عرض البحر قاطعاً مئات الميلات ليقاسي تغير المناخ وصعوبة الحصول على الصيد، بعد أن عبثت بمياه البحر الأحمر جرافات الصيد العشوائي التابعة لشركات عربية وأجنبية بمساندة نافذين في الدولة، لتجعل مهمة الصيد أكثر صعوبة وتعقيداً عند الصياد المسكين؛ “وهذا ما جعل غالبية الصيادين يتجهون للصيد في المياه الاريتيرية، وتسبب ذلك في احتجاز أكثر من 2000صياد في فترات متفاوتة، منهم من أطلق سراحهم ومنهم ما يزالون في ضيافة الدولة الاريترية إلى أجل مسمى” حسب ما قال الصياد نبيل الطباخ الذي يملك أحد قوارب الصيد.
 
يضيف الصياد نبيل “كنا بالسابق نبحر تحت تهديد شبح الاختطافات من قبل القراصنة الصوماليين، وأصبحنا اليوم نواجه مشكلة أكثر تعقيداً، بداية في انعدام المشتقات النفطية، منذ بداية الأزمة، وباعتبارها المشغل لقوارب الصيد، فعدم توفرها، يعني توقف رحلات الصيد، وتحويل آلاف الصياديين إلى عاطلين بدون عمل بعد توقف المصدر الوحيد لكسب لقمة عيشهم، لينتج كارثة إنسانية”.
 
وأضاف نبيل “مازلنا نقوم ببعض رحلات الصيد رغم التكلفة الباهظة التي تكلفنا المشتقات النفطية، مما يجعلنا نخفض من أعداد طاقم الصيد، ليغطي ما نقوم باصطياده تكاليف الرحلة، وأجور العمال”.
 
وفيما قال الصياد أحمد الجنيد إن “الوضع مخيف ومقلق جداً هناك بالداخل، وخاصة حينما نرى تلك البارجات التي تبعد عن ميناء الاصطياد حيث نقف الآن حوالي 13ميل باتجاه الساعة الثانية، وأكثر ما نخشاه هو أن تقوم باستهدافنا بالخطأ، ظناً منها أننا أحد قوارب التهريب التي تبحث عنهم، ولكن بعد أن يقوموا بإيقافنا وتفتيش المركب، يسمح لنا بالمرور”.
 
“صحيح أن هناك العشرات من القوارب تحولت من العمل في اصطياد الأسماك إلى تهريب المشتقات النفطية من الدول الأفريقية المجاورة، لأنها تدر عليهم أرباحاً أكثر من العمل في الصيد، إلا أنه يظل هناك مخاطرة كبيرة في ذلك، وقد يدفع الإنسان حياته ثمنا لطمعه وعدم رضاه بما قسم الله له من الرزق” أو كما قال الصياد الجنيد الذي يعمل غالبية أهل مديريته “الخوخة” في الصيد.
 
وقال الجنيد إنه بدأ العمل مع والده منذ كان عمره 12 سنة، وأخذ منه أسرار المهنة، وذهب رحلته الأولى إلى البحر في سن 15 فقط، ليبدأ حينها مشوار حياته كشخص مسئول عن نفسه.
 
ويصف الصياد تامر وهب الله رحلة الصيد بالقول “نذهب إلى رحلات الصيد وأرواحنا معلقة مابين السماء والأرض، وتختلف مدة كل رحلة بحسب رغبة قائد القارب أو ما يسمى الناخوذة وتتراوح أيام الرحلات من يوم إلى عشرة أيام وبعضها قد تصل إلى شهر كامل”.
 
 يلخص وهب الله ما يحدث في الجزر التي استهدفت قبل أشهر من قبل طيران التحالف العربي : ” يصبح من الضروري على طاقم الرحلة أن يأخذ قسط من الراحة على أحد الجزر القريبة من المناطق التي تتوفر فيها الأسماك، بحيث يكون النهار وقت للاسترخاء وتجهيز الأدوات، حتى يدخل علينا الليل فنبدأ بالتحرك إلى الأماكن المستهدفة في عملية الصيد، وهناك قوارب تعمل في مجال تهريب الممنوعات والأسلحة وغيرها، تسير بنفس الجدول الزمني التي يقوم الصيادون به، حتى ينجحوا بالتخفي، وعندما تصل إلى الجزر في النهار، تقف قوارب التهريب كذلك ولكنها تبتعد عنا مسافة كيلو تقريبا، لكي لا نتعرف عليهم، وهذه التصرفات تعرض الصيادين للخطر الحقيقي”.
 
الأسماك الفاخرة في متناول الجميع
 
امتلأت الهناجر المخصصة لبيع الأسماك في مدينة الحديدة بالعديد من أنواع الأسماك التي لم نكن نراها من قبل، بعد أن توقف عشرات المصدرين العاملين في مجال الأسماك والمنتجات البحرية عن تصدير آلاف من الإنتاج السمكي اليمني الفاخر، ليصل إلى العديد من الدول، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، والتي كانت تعتبر المستورد الأول للثروة السمكية، ومنذ تصاعد وتيرة الحرب في اليمن، بدأت تتراجع نسبة التصدير، ويمكن القول إنها أصبحت شبه متوقفة، كما ذكر الأخوان عمرو يحيى عبد الله، أحد كبار مصدري الأسماك.
 
حسن عايش يحي، أحد العاملين في سوق بيع الأسماك يقول إنه “صار بإمكان المواطن صاحب الدخل المتوسط، أن يحصل على أفخر أنواع الأسماك، التي لم تكن تتوفر بالسابق، حيث كانت تنزل من القارب سيارات نقل الأسماك لتباع في الأسواق الدولية بالعملة الصعبة، أو إلى العاصمة صنعاء بحيث تباع بأسعار باهظة، لكن مع مشكلة انقطاع الكهرباء أصبح من الصعب نقلها إلى أي مكان إلا إذا توفر هناك كميات كبيرة من الثلج ليحفظ الأسماك من التلف وهذا ما يعد مشكلة لدى محلات بيع الأسماك هناك”.
 
في نفس السياق يقول محمد غريب، موظف حكومي” بالرغم من ارتفاع أسعار السلع في ظل التدهور الاقتصادي الذي نعيشه، إلا أنني أجد بأن أسعار الأسماك ما زالت معقولة، ومناسبة جداً، بحيث أستطيع أن أشتري 2 كيلو من السمك بسعر 3 كيلو بالسابق مع فارق جودة ونوع السمك في الوقت الحالي، الذي لم يكن متوفر من قبل بالسوق المحلي”.
 
أمواج البحر المظلمة
 
حولت التعقيدات السياسية وحالة الاحتراب الدائرة في الساحة اليمنية حياة المدنيين إلى جحيم حقيقي اكثر من يكتوي بنارها الصياد اليمني الذي يستنشق رائحة الموت مع كل موجه تقبل على مركبه، متقلباً بين هواجس انعدام المشتقات النفطية، وأخطاء طيران التحالف التي تحوم فوق رأسه باستمرار، وبين كابوس القوات الإريترية ليعود إلى أهله وقد رأى ملك الموت في عدة هيئات من أجل الظفر بلقمة عيش تقيهم الجوع والمرض.
 
*برنامج تمكين الشباب، المركز اليمني لقياس الرأي العام.

%d مدونون معجبون بهذه: