تأملات في مقولة “ازدراء الأديان” ,,كتب/حسين الوادعي

الاتحادية نيوز – كتابات                                                                    كتب/حسين الوادعي

قال لي: لماذا لا تكتب عن ازدراء الأديان؟
ألسنا شعبا مسلما متدينا؟ أليس من يهاجم مقدساتنا خارجا على النظام؟

قلت له: إن ازدراء الأديان مصطلح غامض يجب أن يحدد بدقة.
في مصر،على سبيل المثال، تم حبس المفكر إسلام البحيري بتهمة ازدراء الأديان، لأنه رفض الاعتراف بما جاء في كتب التراث ووضع تلك المرويات تحت مبضع النقد والتساؤل.
وفي مصر أيضا تم تقديم الداعيه السلفي محمد حسان للمحاكمة بتهمة ازدراء الأديان، لأنه ردد حرفيا ما ذكرته كتب التراث أن خديجة بنت خويلد اضطرت إلى أن تسقي عمها الخمر حتى يسكر ويفقد وعيه ويوافق على تزويجها من النبي محمد!

الأول اتهم بازدراء الأديان لأنه رفض ترديد ما ذكرته كتب التراث! والثاني اتهم بازدراء الأديان لأنه ردد حرفيا ما ذكرته كتب التراث!

ثم ما هو ازدراء الأديان؟
هل الدراسة العلمية للقرآن والحديث والسيرة مهما كانت نتائجها صادمة لنا ازدراء للأديان؟
أم أن القول إن الرسول أمر بقتل امرأة مرضعة وعجوزا أخرى جاوزت الستين عاما لأنهما شتمتاه (كما تذكر كتب السيرة والفقه)، هو الإساءة الحقيقية للإسلام والرسول؟

القضية ليست بالبساطة التي تتخيلها.

السنة الماضية اعتبر بعض مشايخ الوهابية أن العبودية حكم ثابت من أحكام الإسلام، وأن من ينتقد سبي “الكافرات” ملحد وخارج عن الإسلام.

فمن يزدري الإسلام في هذه الحالة؟

هل هو من يقول إن العبودية كانت حكما مؤقتا ومرتبطا بزمان مضى؟
أم من يرى أن الإسلام هو دين العبودية والاسترقاق ويدعو المسلمين لغزو أوربا وسبي النساء والرجال وبيعهم في الأسواق لتحسين الاقتصاد حسب إحدى الفتاوى الحديثة للسلفي “أبو اسحق الحويني”؟!

إن نقد العقائد والأديان والعقائد ليس إساءة ما دام مكتوبا بمنهجية علمية ولغة رصينه. لهذا يصر القانون على توافر “القصد الجنائي” لإدانة من يتهم بالإساءة للمعتقدات.
فلو افترضنا أن باحثا ما شكك في عملية جمع الأحاديث أو قال إن عملية جمع القرآن اعتورها بعض العيوب، وكتب ذلك مستندا إلى دلائل ومقدمات مكتوبة بلغة علمية رصينة، فهذا بحث علمي حر وليس إساءة للمعتقدات.
من حقك أن تختلف معه وترفض آراءه جملة وتفصيلا. لكن ليس من حقك إرهابه لأنه يطرح آراء تخالف عقيدتك.

أما اذا كتب شخص آخر مقالا يتهجم فيه مثلا على السنة بشكل عام أو على الشيعة أو على المسلمين واصفا إياهم بأنهم جميعا إرهابيون أو روافض أو منحرفون، أو دعا لطردهم واستخدام العنف ضدهم فهذا ما نعتبره إساءة للأديان ومصادرة لحرية التدين، وهذا هو الخطاب الذي يجب أن نرفضه.
وبهذا التحديد فإن الإساءة للأديان لا تأتي من قبل الملحد فقط، بل إنها قد تأتي أكثر من قبل المؤمن المتحمس.

فالسني المتشدد الذي لا ينفك يهاجم الشيعة باعتبارهم روافض وابناء متعة ومجوس، يسيء لمعتقدات الآخرين ويزدري معتنقيها ويحرض ضدهم.
والشيعي المتشدد الذي لا يرى السنة إلا دواعش وتكفيرين ومزورين ومنحرفين، يزدري معتقدات الآخرين ويحرض ضدهم وهذا هو الإرهاب.

لاحظ أننا هنا نتحدث عن ازدراء الأديان وليس ازدراء الإسلام فقط!

فهل الشتائم التي نوجهها عقب خطبة كل جمعة لليهود والنصارى والمجوس والبوذيين ووكافة الأديان الأخرى، ازدراء للأديان يجب أن يعاقب مرتكبها؟
وكم من رجال دين يجب أن يكونوا في السجن لو طبقنا قانون ازدراء الأديان بلا تمييزأو محاباة؟
وما حكم المسلم الذي لا يتوانى عن وصف اليهود والمسيحيين بالأنجاس وأحفاد القردة والخنازير؟ ألا يسيء لمعتقدات الآخرين ويزدري أتباع الديانات الاخرى؟

إن خطاب التحقير والكراهية والتكفير هو خطاب ازدراء الأديان، وهو الخطاب الذي يفترض أن نواجهه ونلجمه.
أما النقد العلمي الموضوعي للمعتقدات، حتى ولو كان مستفزا للمؤمنين من كل الأطراف، فليس إرهابا أو إساءة للمعتقدات أو إزدراء للأديان.
بل إن استخدام الدين للتوظيف السياسي أو التوظيف التجاري، شكل من أشكال ازدراء الأديان حسب القانون.

فإذا فكرنا في قضية ازدراء الأديان من الزوايا السابقة، فإننا نكتشف أن ازدراء الأديان ليس حكرا على الملحدين المتطرفين فقط.
بل إن المؤمنين المتشددين وبعض رجال الدين هم الأكثر تشددا و أكثر تورطا في خطاباتهم في الإساءة لمعتقدات الآخرين وازدراء أديانهم.

%d مدونون معجبون بهذه: