تصنيف المصنَّف.. عن “إعلان” صالح والحوثي تشكيل مجلس سياسي أعلى

الاتحادية نيوز – كتابات                                                    كتب/ طاهر شمسان

أثار “إعلان” التحالف الانقلابي عن تشكيل مجلس سياسي أعلى ردود أفعال داخلية وإقليمية ودولية مُستنكِرة ومنددة، على نحو بدا معه هذا “الإعلان” كما لو كان حدثا ذا قيمة ومن شأنه تغيير قواعد الصراع بشقيه السياسي والعسكري، ومن ثم التأثير على نتائجه.ومن وجهة نظرنا أن ردود الأفعال هذه – بما في ذلك بيان ولد الشيخ – لم تقدم ولم تؤخر شيئا بقدر ما أضفتْ نوعا من البريق على صورة الانقلابيين أمام أنصارهم الذين يصدِّقون حكاية “الخيارات الاستراتيجية” التي يرددها قادة الانقلاب لتضليل جماهيرهم المخدوعة بأوهام “السيد” ونزعة الانتقام المتمكنة من ذهنية “القبيلي”.

إن “الإعلان” في حد ذاته لا يشكل أي قيمة قانونية أو سياسية في مجرى الصراع، وكثير عليه هذه التسمية.فهو صادر عن سلطة أمر واقع مهيمنة على جزء من جغرافية البلاد اغتصبتها من الدولة بقوة السلاح في عملية إنقلابية مُستَقْبَحَة ضد السلطة الشرعية وضد التوافق الوطني، ولأهداف سلالية وفئوية وشخصية إنتقامية واضحة لمعظم اليمنيين وضوح الشمس في قارعة السماء.ثم أن”الإعلان” جاء من فراغ، وأُعلن عنه في الفراغ، ولا يوجد أي جديد يبرره حتى في حدود ما يسعى الانقلابيون لترسيخه من ممارسات وإجراءات.وهو إن كشف عن شيء فإنما يكشف عن عقلية إنقلابية كلما أفلست في تحقيق أي مكسب على أرض الواقع أعلنت أنها تحتفظ ب”خيارات استراتيجية”.وفي أحسن الأحوال جاء “الإعلان” من قبيل إثبات أن الإنقلابيين مازالوا موجودين، ولإيهام الناس بأن شيئا ما ذا أهمية قد حدث.

إن توقيت “الإعلان” يكشف عن انعدام الرؤية وعن عقلية إرتجالية عشوائية، بدليل أنه لم يوضح حيثيات التشكيل ودوافعه، ولم يقل ما هي المستجدات التي تبرره.أما الاختصاصات فقد سلقت سلقا وخرجت بصيغة عمومية.وعلى افتراض أن “الإعلان” يمثل خطوة استباقية للفشل المتوقع الذي ينتظر مشاورات الكويت، فلمنْ هو موجهٌ إذن في هذا التوقيت؟

إن كان “الإعلان” موجها للخارج الدولي فهذا الخارج يعرف أنه صادر عن انقلابيين ليس لهم أي صفة شرعية مهما خلعوا على أنفسهم من أسماء وألقاب، وقد سبق وأن أصدر عدة قرارات تدينهم وتحدد وضعهم القانوني وتطالبهم بالانسحاب وتسليم السلاح. وإن كان “الإعلان” موجها للداخل، فلأيِّ داخل؟ إن كان موجها لجمهورهم فهذا تحصيل حاصل ودليل على مبالغتهم في الاستهتار بهذا الجمهور المضلَّل الذي يُصدِّق أن الحاج علي ليس هو علي الحاج، وأن “الديمة”ليست هي “الديمة” إذا تغير بابها.أما إذا كان “الإعلان” موجها للجمهور المفارق الرافض للإنقلاب – وهو الأغلبية الشعبية الكبيرة – فهو لا يقدم لهذا الجمهور أيَّ حلول، ولا حتى فرصةً للتعاطف مع الإنقلابيين في لحظة هم فيها أحوج ما يكونون إلى تعاطف ولو شكلي.ولو لم يكن الانقلابيون على هذا القدر من الإفلاس السياسي لكانوا أعلنوا عن رغبتهم في تشكيل مجلس وطني لإدارة الأزمة وتهيئة مناخ سياسي يستوعب جميع الأطراف.ولو أنهم فعلوا ذلك – ولو من قبيل المناورة وإحراج الغير – لكانوا أوهموا المجتمع الدولي،أو جزءا منه على الأقل، بأنهم يمتلكون رؤية ولديهم بعض الشعور بالمسئولية يمكن البناء عليه.أما الداخل المفارق والرافض فلم يعد يثق بهم بعد ما أحدثوه من دمار وخراب وموت ونزيف للدم من أجل أهداف سلالية وفئوية وشخصية ظاهرة ومكشوفة لمعظم اليمنيين.وإلا فمن أجل ماذا يقاتل الحوثي منذ العام 2004؟ ومن أجل ماذا يقاتل علي صالح وهو يعلم أن الأغلبية الساحقة من اليمنيين لم تعد تطيق رؤيته على قيد الحياة.

ومن مهازل “الإعلان” إشارته إلى أن الانقلابيين سيديرون البلاد بدستور الجمهورية اليمنية.فعن أي بلاد يتحدثون؟ أليس هذا إقرار بأنهم يديرون المناطق التي يسيطرون عليها بالزوامل والخطب العصماء وملازم “سيدي حسين” وفتاوى المتوكل على الله إسماعيل؟ هل بلغ بهم الأمر إلى هذا الحد من الاستهتار بعقول أنصارهم؟ أم هو اتكاء على انشغال الناس بجراحهم؟ أما إذا كانوا يقصدون أنهم سيكفون عن الإدارة بطريقة السوق السوداء فهذا إنجاز كبير إذا تحقق سيحسب لهم.

واضح أننا أمام عقلية مستلبة ومأزومة.والمحزن أن هذه العقلية ليست قاصرة على هؤلاء ومن معهم، وإنما تكاد أن تكون ظاهرة متجذرة في مساحة كبيرة من الوعي الجمعي.ومن تجليات هذه العقلية أنها مرتهنة بالطارئ والرد على الطارئ دون خطة استراتيجية،فهي لا تخطط للمستقبل بأي حال كان، وليس لها بدائل أو خيارات.إنها عقلية واقعة بين شقي رحى الأنا والآخر،أو تكاد تشبه ما يحدث في الزوامل الشعبية من “رد وجواب”.ولذلك نحن غالبا لا نصنع مستقبلا ونعجز عن تخطى الماضي.أو قل نحن كالبدو الرحل مرهونون بأقدار خارج إرادتنا، وكل يوم عندنا له شمس وريح.والأعجب من ذلك أن بعض الفرقاء رأوا في “إعلان” الانقلابيين المنعدم إنقلابا ثانيا، وكأن مجموعة داخلهم انقلبت عليهم وغيرت المسار، أو جاء طرف لم يكن في الحسبان فانقلب على الجميع.وهذا تفكير لا يصدر إلا عن عقلية مشغوفة بالإدانة، كحالة مرضية، تنتظر أي شيء لتدينه.

أما تأويل “الإعلان” على أنه مؤشر على تقارب أصحابه وتجاوز خلافاتهم فهذا مجرد لغو لا ينفع المواطن في شيء، ولا ينفع حتى اللاعبين السياسيين، فنحن ضحية صالح والحوثي اجتمعا أو افترقا،إتفقا أو اختلفا،والأجدر بنا تنبيه الناس إلى انعدام هذا “الإعلان” قانونيا وإفلاسه سياسيا، بدلا من التأويلات المبلبلة.وقل مثل هذا عن التأويل القائل بأن “الإعلان” إجراء أحادي الجانب. والصحيح أنه إجراء باطل، ليس لأنه أحادي الجانب، وإنما لأنه بني على باطل.فالانقلاب كان إجراء أحادي الجانب بخروجه على “اتفاق السلم والشراكة”،وهو بهذا المعنى باطل، وكل ما بني وما سيبنى عليه باطل، ومن قبيل ترقيع المرقع،بما في ذلك “الإعلان” عن تشكيل ما سمي بمكتب سياسي أعلى. والقول بخلاف ذلك يوهم الناس بأن شيئا ما ذا أهمية قد حدث، بينما ما حدث ليس أكثر من بيع الوهم لجماهير الانقلاب المضلَّلة والمخدوعة.وقس على ذلك خروج الانقلابيين عن مرجعيات مشاورات الكويت.فهذا الخروج ليس إبن اللحظة وإنما نهج سابق على “الإعلان” وممارسة يومية يدفع الشعب اليمني ثمنها موتا ودما وخوفا وتشردا وجوعا ونزوحا.والحديث عن عدم احترام الانقلابيين لهذه المرجعيات هو من قبيل تصنيف المصنَّف حسب تعبير الأستاذ الأكبر عبد الله البردوني.والغريب الذي يحتاج إلى تفسير هو برود المجتمع الدولي وعدم فاعليته قياسا إلى حجم المأساة التي يحدثها الانقلابيون ويضاعفونها يوما بعد يوم.

والأغرب من الغريب تفخيخ مسجد عبد الهادي السودي، وهو أحد المعالم التاريخية لمدينة تعز المحاصرة، ومع أن هذه الجريمة ليست الأولى من نوعها إلا أننا لم نسمع أدنى إدانة أو استنكار من اتحاد الرشاد السلفي الذي أعلن نفسه حزبا سياسيا عن قناعة بالديمقراطية وبالعمل السياسي السلمي حسبما قالت وثائقه التأسيسية،وأخشى ما يخشاه المرء أن يكون هذا الحزب غطاء سياسيا لهذه الأعمال وإخراجا يمنيا لصيغة آل الشيخ.وإذا صح هذا فسنكون أمام حقل ألغام داخل الشرعية التي لم تعد شرعية إلا بالمعنى الإجرائي، أما من حيث الأداء والفاعلية والإنجاز فرصيدها الشعبي يتآكل يوما بعد يوم .وعلى هذا التآكل يتكئ الانقلابيون ويطالبون بإبعاد الرئيس هادي.هكذا بكل بساطة دون أن يقولوا لنا لماذا يجب أن يُبعدَ وما هو الثمن الذي يجب أن يدفعوه مقابل هذا الإبعاد.فإذا كانت العمالة للسعودية هي السبب، كما يقولون، فمن هو علي صالح إذن؟ ألم يأتِ إلى الحكم من أقبية مظلمة ودهاليز مشبوهة؟ ألم يقضِ ثلاثة وثلاثين عاما غاصبا مستبدا في صنعاء وخداما ذليلا على عتبة قصر الملك؟ ألم يشهد عليه شاهد من أهله هو الشيخ عبد الله الأحمر شريكه في بيع الأرض ودمار البلاد وخراب العباد مقابل البترو دولار؟ صحيح أن هادي أصبح مثل أيقونة، لكنه أشرف – بما لا يقاس – من وطنيي اللحظة الأخيرة.

%d مدونون معجبون بهذه: