تقرير : هادي.. الرئيس الذي لم يحكم اليمن

الرجل الذي جاء خلفا لرئيس حكم اليمن 33 عاما ينحدر من عائلة شهيرة معظم رجالها كانوا مناضلين ضد الاستعمار البريطاني في عدن.

كان المشير عبدربه منصور هادي، يأمل أن تخدمه الأقدار في البقاء على هرم السلطة في اليمن لأطول فترة زمنية، لكن الرجل الذي جاء خلفا لرئيس حكم اليمن 33 عاما، لم يُكمل 3 سنوات رئيسا لبلد مضطرب، أظهرت أن الرجل لم يحكم اليمن.

انتخب هادي رئيسا لليمن في 21 فبراير 2012، بموجب “مبادرة خليجية ” طوت حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، جراء ثورة شبابية اندلعت في فبراير 2011، لتنحصر فترة حكمه لليمن ما بين الثورة اليمنية وسيطرة جماعة “أنصار الله” (الحوثي) على الأمور في البلاد.

تشير السيرة السياسية لهادي المولود عام 1945 في قرية نائية اسمها “ذكين” مديرية الوضيع، بمحافظة أبين، جنوبي البلاد، إلى مكوثه أقل من ثلاث سنوات في رئاسة اليمن و17 عاما كنائب للرئيس ووزير للدفاع.

وينحدر هادي من عائلة شهيرة معظم رجالها كانوا مناضلين ضد الاستعمار البريطاني في عدن، منتصف القرن الماضي، وعلى نفس درب العائلة التحق هادي بمدرسة عسكرية أهلته لاحقا للعمل بالجيش اليمني.

وفي مطلع ستينيات القرن الماضي، اختارته المملكة المتحدة ضمن 4 من داخل الجيش، وابتعثتهم للدراسة في الكلية الملكية العسكرية (ساند هيرست)، أحد أعرق الكليات العسكرية في بريطانيا.

عاد الطالب هادي من لندن إلى عدن بعد سنتين، وكان الصراع والقتال وقتئذٍ بين الجبهة القومية وجبهة التحرير في عدن على أشده، لكن الشاب الذي انخرط في النضال الوطني واصل دراسته العسكرية، ولم ينغمس في الصراع ولم تطاله لعنة الحرب الأهلية إذ ذاك والتي أودت بآلاف القيادات العسكرية الجنوبية عام 1986.

هادي الذي عرف عنه إنه عدم إجراء أي مقابلات صحفية أو تلفزيونية على امتداد سنوات عمله كنائب للرئيس، واقتصر دوره على حضور الفعاليات الرسمية التي كانت تناقش أمورا سياسية في الغالب، نادرا ما كان صالح يبتعثه في مهمات رسمية خارجية.

عرف هادي بشغفه الكبير بالقراءة خاصة في مجالي الفلسفة والتاريخ، وأجاد اللغتين الانجليزية والروسية، حسب الصحفي علي الضبيبي، الذي قدم دراسة عن شخصية هادي.

ورغم أن أغلب قراءاته باللغة الإنجليزية، حسب ما أفاد به أحد مساعديه، إلا أن هادي لا يتحرج من الحديث بلهجته المحلية.

لم يحدث الرئيس هادي تغييرا في المشهد السياسي اليمني خلال فترة حكمة التي شهدت حراكا شعبيا واسعا على عدة مسارات، أولها ثورة شبابية أطاحت بسلفه ولم ترى في الأفق ما يشير غلى اكتمال نجاحها.

وثانيها جماعة الحوثي المسلحة التي تدرجت في السيطرة على الأمور حتى أصدرت إعلانا دستوريا تضمن خريطة سياسية جديدة في اليمن على مستوى السلطة التشريعية بعد حل البرلمان أو على المستوى التنفيذي بتشكيل مجلس وطني ينتخب مجلس رئاسي، ويعلن مرحلة انتقالية جديدة لعامين، أما ميدانيا فأصبحت سيطرة مسلحي الجماعة على الاوضاع أمرا واقعا.

الحراك الشعبي في الجنوب المطالب بالانفصال لم يتوقف خلال حكم هادي الذي ينتمي للجنوب، وصاحبه موجات من العنف لم يقلل من تأثيرها ما اشتملت عليه أحد مخرجات الحوار الوطني التي أعلنت في يناير/كانون الثاني 2014 باقتراح تقسيم اليمن إلى أقاليم تتمتع بحكم شبه ذاتي.

الرئيس اليمني السابق الذي أطاحت به ثورة فبراير 2011 ولكنه ظل رئيسا للحزب الذي شغل فيه هادي منصب النائب والأمين العام للحزب، لم يكن بعيدا عن المشهد السياسي، فبعد أن التمديد الذي حصل عليه هادي في الرئاسةلمدة عام، إثر انتهاء فترته المقرة بموجب المبادرة الخليجية (عامان)، هدد صالح بالعودة إلى حكم اليمن ولو عن طريق نجله الأكبر “أحمد”.

وتسبب ذلك في نشوء فجوة كبير بين صالح بصفته رئيس حزب المؤتمر (الحاكم سابقا)، وهادي بصفته الحزبية انتهت بإقالته هادي من منصبه الحزبي، وتجاوز الأمر ذلك إلى مد جسور التواصل بين صالح والحوثيين تمهيدا للإطاحة بالرئيس هادي.

راهن الرئيس هادي على المجتمع الدولي في كبح جماح صالح والحوثي، وبدا له ما يريد بصدور قرار من مجلس الأمن أواخر 2014، يُسمي صالح واثنين من القادة الميدانيين لجماعة الحوثي ضمن المعرقلين للعملية السياسية في البلد، كما أمر بتجميد أرصدتهم.

وخلافا لما كان يتوقع هادي، زاد القرار الدولي من عدائية الرئيس السابق الذي لم يتورع في عدم التستر على التحالف الناشئ مع جماعة الحوثي، وبدأت معركة كسر العظام مع رئيس يرونه كان سببا في صدور ذلك القرار.

الأوضاع الأمنية والاقتصادية في اليمن خلال حكم هادي لم تشهد أيضا تغييرا، في ظل اقتصاد ريعي يعتمد على صادرات النفط لم يشهد نموا أو تغييرا في معدلات الفقر والبطالة، ووضع أمني بات أكثر تعقيدا مع استمرار وجود القاعدة على الأرض رغم الضربات المتلاحقة لها، أضيف إليها حالة انفلات أمني زادت تعقيدا في ظل مؤسسة أمنية وعسكرية خارت قواها أمام الفتوحات الحوثية في المحافظات اليمنية.

هادي حاول تقديم تنازلات لجماعة الحوثي من أجل إفشال تحالفهم مع خصمه (صالح) الذي مكث نائبا له طيلة 17 عاما، لكنه أخفق، وربما فوجئ بسيطرة مسلحي الحوثي على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014، أجبر على إثره على توقيع اتفاق السلم والشراكة الذي لم يعدو كونه حبرا على ورق، تجاوزه الواقع الميداني والسياسي بكثير.

صعد الحوثيون ضد الرئيس هادي، وانتهى ذلك باختطاف مدير مكتبه أحمد عوض بن مبارك، واحتلال مقار رئاسية، منها دار الرئاسة والقصر الجمهوري الذي كان يقيم فيه رئيس الحكومة خالد بحاح، وحسب مقربين من هادي ترك الحوثيون مهلة للرئيس من أجل تنفيذ طلباتهم التي ارتبطت بتوسيع سلطات الجماعة، لكن الرجل فاجأهم بإعلان استقالته بعد قبول استقالة حكومة بحاح مساء 22 يناير/كانون الثاني الماضي.

ومنذ ذلك اليوم، يعيش الرئيس المستقيل هادي ورئيس الحكومة تحت الاقامة الجبرية التي فرضها مسلحو الحوثي، وتقول النصوص الدستورية، إن استقالته ما تزال معلقه حتى يقلبها البرلمان الذي فشل هو الآخر في الالتئام والبت في قرار الاستقالة، قبل أن يعلن الحوثيون عن حله بمقتضى “الإعلان الدستوري” الذي أعلنوه مساء الجمعة.

المصدر | الاتحادية نيوز + وكالات
%d مدونون معجبون بهذه: