“ملك الموت أصبح صديقي” عن مرضى الفشل الكلوي بالحديدة (تقرير)

*الاتحادية نيوز | خاص

يعمل مركز غسيل الكلى فوق طاقته، بعد أن أصبح الملاذ الوحيد لمرضى الفشل الكلوي في الحديدة والمدن المجاورة لها. وذلك بالرغم من أنه يعاني من نقص حاد في مواد الاستصفاء وانقطاع الكهرباء المتكرر، إضافة إلى إضرابات الأطباء.

كتب: سامية العنتري

في ذلك المبنى المهترئ، المكتظ بعشرات الأشخاص، منهم من يئن تحت وطأة الألم، وآخر ما زال ينتظر دوره ليدخل إلى تلك الغرفة الممتلئة بالأجهزة التي من خلالها تمرر دماء العشرات من المرضى لتقوم بعملها في غسل دمائهم عوضاً عن الكلى، استوقفتنا الطفلة عائشة 12 عاماً، وهي تنظر لجهاز الغسيل الكلوي وكأنه منحة إلهية جاءت لتخفف عنها بعض الآلام التي تعتصر جسدها الصغير. وبعد 96 ساعة انتظار جاء دورها لتخضع لجلستها العلاجية التي أصبحت مرة كل أربعة أيام مع تزايد أعداد حالات مرضى الفشل الكلوي، التي يستقبلها مركز الغسيل الكلوي بالحديدة من كل مديرياتها، بالإضافة إلى الحالات التي يستقبلها المركز من المحافظات المجاورة لها مثل حجة أو ريمة أو ذمار أو المحويت. وفي الآونة الأخيرة أصبح رواده من المحافظات التي تشهد حرباً أو تعيش تحت حصار المجموعات المسلحة التي تمنع وصول مواد الاستصفاء إلى مراكز الغسيل الكلوي فيها مثل تعز أو إب.

تقول عائشة بصوتها الطفولي الممتلئ بالألم بأنها مازالت بخير رغم كل المعاناة التي تواجهها. تتابع بألم: “أصبح ملك الموت صديقي وزائري المتكرر كلما تأخر موعد جلسة الغسيل التي من المفترض أن أخضع لها مرتين أسبوعياً.”

في السابق “كانت عائشة تخضع لجلستين أسبوعياً”، كما تقول والدتها، ولكن مع كثرة الحالات التي تصل يومياً إلى المركز، وانقطاع الكهرباء بشكل متكرر، صار من الصعب الحصول على العدد المطلوب من الجلسات. “وأحياناً تضطر عائشة إلى الانتظار لمدة تتجاوز الخمسة أيام، مما يتسبب بالمزيد من جرعات الألم لدى عائشة.”

عائشة “مريضة محظوظة”

وبالرغم من معاناة الطفلة عائشة، إلا أنها تبقى الأوفر حظاً نسبياً من بين عشرات المرضى الذين يملأون صالة الانتظار التي امتلأت بأناة المرضى. تقول المريضة س. م. ع.: “جئت من مدينة حجة، ولا أزال أنتظر دوري لإجراء جلسة العلاج المقررة منذ ثلاثة أيام”، وتضيف: “أنا من المرضى الذين تتكرر زياراتهم إلى هذا المركز.” ومما يزيد من المعاناة هو كون المريض أنثى، فهي بحاجة إلى وجود محرم معها، وفقاً للأطر الاجتماعية المتعارف عليها في اليمن بصورة عامة، وبخاصة إن كانت المريضة من خارج الحديدة، حينها سيصبح المرض بالنسبة لها “كابوساً قد يدمر حياتها فعلياً.”

ومما زاد من معاناة وألم س. م. ع. أنه عندما أبلغها الطبيب بإصابتها بمرض الفشل الكلوي كانت حينها متزوجة، وعندما علم زوجها بمرضها قرر أن يطلقها هرباً من تحمل تكاليف وعناء علاجها وسفرها، على حد تعبيرها.

يعتبر مركز الغسيل الكلوي في الحديدة أحد مراكز الغسيل الكلوي التي مازالت تعمل باستمرارية في اليمن في ظل ظروف الحرب الدائرة في اليمن. غير أن هناك الكثير من الصعوبات التي تواجه المركز، مثل شح الإمكانيات ونقص المواد المستخدمة في عملية الاستصفاء، ناهيك عن انعدام الكهرباء الكامل في محافظة الحديدة لمدة أيام، إضافة إلى الإضرابات المتواصلة من قِبل الكادر الطبي بسبب عدم استلام رواتبهم ومخصصاتهم لعدة شهور، وغيرها من الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي تسببت في موت أكثر من 50 مريضاً خلال فترة ما يقارب سبعة أشهر منذ بداية الحرب.

مركز الحديدة يعمل فوق طاقته

وتبقى المشكلة الأكبر هي الارتفاع المستمر لأعداد المرضى الذين يستقبلهم المركز على مدار الساعة، سواءً من مدينة الحديدة أو من المحافظات الأخرى. وذلك بالرغم من أن المركزلا يملك سوى 30 جهازاً للغسيل الكلوي، والتي تعمل على مدار الساعة، لتنجز 150جلسة علاجية على خمس فترات. ويبقى عشرات المرضى ينتظرون دورهم؛ علماً أن المصاب بالفشل الكلوي يفترض أن يجري ثلاث جلسات بالأسبوع.

يبلغ عدد الجلسات المقررة للمركز سنوياً 51ألف جلسة، بينما الاحتياج الفعلي للمركز يصل إلى 90 ألف جلسة، ما يعني أن ارتفاع عدد المصابين يمثل تحدياً حقيقياً في ظل التوقف المتكرر لأعمال الجلسات.

ومؤخراً أصبح المركز يستقبل شهرياً ما بين 60 إلى 70 حالة مرضية، هناك من يتشافى، والبعض يتوفى، وهم الأكثر عدداً. كما أن هناك ارتفاعاً مستمراً لحالات جديدة تصل إلى ما بين 10 إلى 20 حالة تضاعف كل شهر على المرضى المتواجدين بالمركز.

يقول أحد الأطباء العاملين في مركز الغسيل الكلوي بالحديدة والذي فضل بعدم نشر أسمه: “أن هناك معوقات ومشاكل تراكمية يتحملها المركز من قبل بداية هذه الحرب الحالية،والسبب في ذلك هو الإهمال من قبل الجهات الرسمية والمتمثلة  بالسلطة المحلية بالمحافظة، والتي لم تكن تقدم لنا شيء رغم اطلاعهم على هموم وقضايا المركز، سواء مشكلة رواتب الموظفين والمتعاقدين في المركز، وتوقف صرف رواتبهم واستحقاقاتهم لفترات تصل لأشهر، مما يتسبب ببعض الإضرابات من قبل الكادر الوظيفي والطبي في المركز. الأمر الذي ينعكس بشكل سلبي على حالة المرضى بصورة مباشرة.”

يضيف قائلاً: “مع زيادة الحالات المرضية التي تصلنا بصورة مستمرة لم يواكبها أي زيادة في كميات الاستصفاء وعدد الأجهزة مما أدى إلى استفحال هذه المشكلة بشكل كبير جداً.”

وأوضح بأنه تبقى مشكلة نفاد مواد الاستصفاء، وهي المشكلة التي “نعاني منها دون حلول عاجلة، مما أدى إلى تفاقمها وتراكمها نظراً لأن مركز الغسيل الكلوي بالحديدة يستهلك كمية ثلاثة أو أربعة مراكز غسيل أخرى في الجمهورية.”

المعونات المالية هي المنقذ

والجدير بالذكر بأن المركز يتلقى معونة مالية تقدر بـ 100 مليون سنوياً من فاعلي خير عن طريق الجمعية الخيرية لإعانة مرضى الفشل الكلوي بالحديدة، والتي تضم الكثير من رجال المال والأعمال بالمحافظة. لكن يظل هذا الرقم صغيراً جداً أمام حجم الاحتياج الفعلي للمركز الذي يقدم كل خدماته للمريض مجاناً.

وقد كشفت احصائية رسمية قبل فترة أن عدد المصابين بالفشل الكلوي في اليمن وصل إلى ما يزيد عن 4000 مريض يعيشون على الاستصفاء الدموي من عدد مرضى الفشل الكلوي البالغين أكثر من 17 ألف شخص ممن يتابعون أطباء الكلى ويخضعون لتناول الأدوية المساعدة. كما أظهرت دراسة يمنية أن ثلثي مرضى الفشل الكلوي في اليمن هم من الذكور، وأن أكثر الفئات العمرية تعرضاً للفشل ما بين 19 و 40 عاماً.

لكن الحقيقة المؤلمة هي أن معظم الدول تخصص جهاز الغسيل الكلوي لمريضين فقط، أما في اليمن فإن الجهاز الواحد يخصص لقرابة 60 مريضاً للأسف.

 

*برنامج تمكين الشباب، المركز اليمني لقياس الرأي العام.

%d مدونون معجبون بهذه: